!--StartFragment-->
تشهد النسخة الحالية من كأس أمم أفريقيا 2025 التي يستضيفها المغرب مرحلة ترسيخ وتطوير تدريجي للأثر المالي والتجاري للبطولة. ويحمل تنظيمها في المغرب أهمية خاصة نظراً للاستثمارات الحكومية الكبيرة في كرة القدم والشغف الجماهيري الواسع، ما يجعلها نشطة اقتصادياً ومالياً، وفقاً للبروفيسور سايمون تشادويك الباحث والأكاديمي والمستشار المتخصص في القيادة والإدارة في البيئات المعقدة.
ويقدم تشادويك قراءة معمقة مركزاً على الجوانب الاقتصادية والتجارية والرياضية والثقافية للبطولة، فضلاً عن الفرص والتحديات التي تواجه المغرب كدولة مضيفة في مقابلة مع وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ).!--StartFragment-->
بمكافأة قياسية.. بطل أمم أفريقيا 2025 خارج سباق الجوائز القارية الكبرى
ويشير الخبير البريطاني إلى أن الواقع التجاري للبطولة لا يزال محدوداً نسبياً، مع اعتماد شركة "توتال إنرجيز" كراعٍ رئيسي، بينما يظل حضور الرعاة الدوليين ضعيفاً، بما في ذلك الشركات الصينية التي أعلنت مشاركتها في وقت متأخر.
يرى تشادويك أن البطولة، رغم أهميتها، لن تُحدث تحولاً جذرياً في المسار المالي أو التجاري لكرة القدم الأفريقية، ما دامت تقام في منتصف موسم معظم الدوريات العالمية، مثل الدوري الإنجليزي الممتاز والدوري الإسباني، حيث ينصب الاهتمام الإعلامي والاقتصادي على الدوريات الكبرى.
ويتطرق تشادويك أيضاً إلى الصراع القائم بين الأندية الأوروبية والمنتخبات الوطنية بشأن توقيت البطولة، موضحاً أن الدوريات الأوروبية لا تزال تمارس نفوذاً قوياً على اللاعبين الأفارقة الشباب، إذ توفر لهم فرصاً مالية ومستوى تنافسياً يتيح لهم بناء مسيراتهم الاحترافية بشكل مستدام، وطالما استمر هذا الواقع، ستظل الأندية الأوروبية مؤثرة في مسار هؤلاء اللاعبين.
ومع ذلك، يلاحظ الخبير الاقتصادي تحولاً ملحوظاً في رغبة لاعبي الجاليات الأفريقية بالمشاركة مع منتخبات بلدانهم الأصلية، وأحياناً اختيارهم منتخبات أوروبية، وهو ما يعكس ثقة متزايدة في المشروع الكروي الأفريقي. ورغم هذه المؤشرات التي قد تُفهم على أنها تحدٍ للهيمنة الأوروبية، فإنها لا تُعد كافية لإحداث قلق حقيقي أو إرباك ميزان القوى القائم عالمياً.
وفيما يتعلق بتطوير اللاعبين الشباب، يشدد تشادويك على أن الأندية الأوروبية تفضل إعارة المواهب الصاعدة لاكتساب الخبرة داخل منظومتها التنافسية، وليس من خلال المشاركة في البطولات القارية، مما يوضح أن تركيبة المنتخبات الأفريقية في تطور مستمر، حيث يمكن ملاحظة انخفاض عدد النجوم الكبار، مقابل ارتفاع حضور لاعبي الجاليات واحتفاظ بعض أبرز المواهب الشابة بمسارها داخل الأندية الأوروبية.
وحول تأثير الأداء في كأس أفريقيا على القيمة السوقية للاعبين، يرى الخبير أن البطولة كانت تاريخياً وسيلة مهمة لتسويق اللاعبين الأفارقة على الصعيد الدولي إلى جانب كأس العالم، إلا أن التطور الكبير لشبكات الاستكشاف الكروي والتقنيات الرقمية جعل متابعة اللاعبين واكتشافهم أكثر سهولة من خلال قنوات متعددة، مما يقلل من اعتماد الأندية الكبرى على البطولة وحدها لتقييم المواهب أو تحديد قيمتها السوقية. ويرى تشادويك أن كأس أفريقيا لا تزال منصة استعراضية مهمة، وتشهد بروز نجوم لامعين، لكنها لم تعد الوسيلة الحاسمة كما في الماضي.
أما فيما يخص الجوانب التنظيمية والتجارية، فيشير الباحث إلى إمكانية استفادة الاتحاد الأفريقي لكرة القدم من تجارب البطولات الكبرى في العالم، مثل كأس العالم في قطر 2022، من خلال إرسال المسؤولين لمتابعة هذه البطولات والتعلم من ممارساتها لتطبيقها في القارة، مع التأكيد على أهمية تطوير نموذج أفريقي أصيل يعكس الهوية والقيم الأفريقية، دون الاقتصار على تقليد النماذج الأوروبية أو الأميركية، مع الإيمان بدور القوة الناعمة في تعزيز مكانة الدول الأفريقية عالمياً، ومثال على ذلك الدور الذي يلعبه المنتخب المغربي كأداة لنقل صورة إيجابية عن البلد.
وبخصوص الهوية الثقافية، يرى تشادويك أن كأس أفريقيا تمثل منصة قوية لتعزيز القيم والموروث الثقافي الأفريقي. ويستشهد بتجربة المغرب في كأس العالم 2022، حيث برزت مشاركة العائلات مع اللاعبين على أرض الملعب، مما يعكس قيم المجتمع وثقافته، وكذلك تصميم قمصان المنتخب النيجيري في 2018، التي حازت جوائز عالمية، والتي عند دمجها مع موسيقى الأفروبِيت وأفلام نوليوود وغيرها من المقومات الثقافية، توضح قدرة البطولة على إبراز الصورة الذهنية والقيم الثقافية للقارة، وزيادة جاذبيتها عالمياً، بما في ذلك جاذبية الدول المضيفة وقدرتها على التواصل مع الجماهير في الخارج.
أما بالنسبة للمغرب، فيُعد سوقاً كروياً مهماً، مع قاعدة جماهيرية شغوفة ومكانة دولية متنامية، مدعومة بدعم حكومي قوي وفق رأي سايمون تشادويك الذي يرى أن المغرب أمام فرصة لتعزيز ما أحرزه من تقدم، ليس فقط على مستوى الملاعب، بل أيضاً في تطوير البنية التحتية وتحسين معايير الحوكمة الرياضية. وفي الوقت نفسه، هناك تحديات غير ملموسة تتعلق بكيفية رؤية العالم للمغرب، واستدامة مشاركة الجماهير.
فيما يتعلق بالسياحة والاستثمارات، يرى المتحدث ذاته أن السياحة ليست أولوية كبيرة، نظراً لأن المغرب يحظى بالفعل بصورة سياحية قوية وأرقام سياح مستقرة، بينما يركز الاهتمام على جذب الاستثمارات الداخلية والخارجية وتعزيز منظومة كرة القدم الوطنية، بما يشمل تطوير الملاعب والتدريب وزيادة عدد المشاركين في اللعبة، إلى جانب بناء منظومة صناعية رياضية قادرة على توفير فرص عمل وعائدات مالية، مما يجعل البطولة فرصة لبناء منظومة كروية صحية ومستدامة.
وفيما يتعلق بالنموذج الاقتصادي لكرة القدم في القارة الأفريقية، حذر تشادويك من خطر "أمركة" اللعبة في أفريقيا على غرار ما حدث في أوروبا، مشدداً على ضرورة أن تتخذ القارة خطوات سريعة لتطوير نماذج بديلة تقوم على ملكية جماهيرية، وتحقيق أهداف اجتماعية، وتعزيز التنمية المحلية المستدامة، قبل أن تسيطر الاستثمارات الأجنبية على الأسواق الكروية الأفريقية.
في نهاية حديثه، يوضح البروفيسور أن المغرب يمتلك الإمكانات لإدارة البطولة بشكل فعال واحترافي، ما يعزز مكانته الدولية ويثبت قدرته على تنظيم الفعاليات الكبرى. كما تمثل البطولة فرصة للمغرب لتجسيد قيمه وهويته، وتعزيز جاذبيته الاقتصادية والثقافية، ونقل تأثيره الناعم عبر الرياضة، بما يؤكد مكانته في المنظومة الكروية العالمية ويساهم في ترسيخ مشروع أفريقي متميز في تنظيم البطولات الرياضية.